الشيخ محمد رشيد رضا
305
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
وأضاعوا حجة دينهم بتقليد فلان وعلان ، وعكسوا القاعدة المأثورة عن سلفهم وهي اعرف الرجال بالحق لا الحق بالرجال ، ولولا حفظ اللّه جل وعلا لهذا القرآن ، وتوفيقه سلف الأمة للعناية بتدوين سنة المصطفى عليه الصلاة والسّلام ، وأخذ طائفة من أهل النظر بهديهما في كل زمان ، لضاع من الوجود هذا الاسلام ، كما ضاعت من قبله سائر الأديان ، ولم يغن عن ذلك وجود الألوف المؤلفة من كتب الفقه وكتب الكلام كان عاقبة ذلك أن الحق صار مجهولا في نفسه عند الأكثرين ، فاتخذ الناس رؤساء جهالا للدنيا وللدين ، فتواطأ الفريقان على اضطهاد حملة الحجة من العلماء المستقلين ، وظنوا ان ذلك من الكياسة ، التي نقتضيها السياسة ، ويحفظ بها أمر الملك والرياسة ، وما كان الا فنة لهم ، أضاعوا بها دينهم وملكهم ، على أيدي أقوام من أمم الشمال ، اقتبسوا من الاسلام وأهله الأولين ذلك الاستقلال ، فنسخوا ما كانوا فيه من ظلمات التقليد بنور الاستدلال ، فبلغوا من العزة والسيادة أوج الكمال ، ثم استدار الزمان فافتتن بعض المسلمين ، بما رأوا عليه هؤلاء المستقلين ، ولكن داء التقليد العضال ، لم يفارقهم في هذه الحال ، فطفقوا يقلدونهم في الأزياء والعادات وظواهر الاحكام والاعمال ، فازدادوا بذلك خزيا على خزي وضلالا على ضلال ، إذ هدموا مقوّمات أمتهم ومشخصاتها ، ولم يستطيعوا ان يكوّنوها بمقومات ومشخصات غيرها . فهذه الآيات الكريمة حجة على مقلدة المسلمين ، وعلى مقلدة الاوربيين ، فإنهم هم الذين أضاعوا الدنيا والدين ، وأعجب أمر هؤلاء المتفرنجين أنهم يدعون الاستقلال ، ويظنون أن ما يهذون به من الشبهات الدينية ولاجتماعية ضرب من الاستدلال ، فهلم دلائلكم على ما تركتم من هداية ، وما استحدثتم من غواية ، فإننا لمناظرتكم مستعدون ، وكم دعوناكم إليها وأنتم لا تجيبون ؟ * * * أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ الرؤية هنا علمية ، و ( القرن ) من الناس القوم المقترنون في زمن واحد ، جمعه قرون ، وقد استعمل في القرآن بهذا المعنى مفردا وجمعا ، واختلف في الزمن المحدد « تفسير القرآن الحكيم » ( 39 ) « الجزء السابع »